حين نسمع اسم المتنبي، غالبًا ما نتذكر شاعرًا عظيمًا، لكننا نتذكر معه شيئًا آخر: غروره الشديد بنفسه. فقد كان مختلفًا عن كثير من الشعراء؛ لم يكن يخفي إعجابه بنفسه، بل كان يعلن عن موهبته وشجاعته وكأنه لا يرى في ذلك غرورًا، وإنما حقيقة يعرفها جيدًا.
منذ شبابه، كان طموحه كبيرًا، حتى ارتبط اسمه بقصة ادعائه النبوة، ومنها جاء لقبه «المتنبي». ثم تنقل بين الأمراء، وكانت من أشهر محطاته علاقته بسيف الدولة الحمداني، الذي مدحه المتنبي كثيرًا، قبل أن تنتهي علاقتهما بالخلاف والرحيل.
وكان شعره أكثر ما يكشف شخصيته، فقال:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صممُ
وقال:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
لم يكن المتنبي يريد أن يكون شاعرًا عابرًا؛ كان يريد المجد والخلود، وكان يرى في نفسه ما يجعله مختلفًا عن غيره. ولهذا يبقى السؤال: هل كان مغرورًا، أم أنه كان يعرف فعلًا قيمة نفسه وموهبته؟
النهاية التي لا تُنسى
كانت نهاية المتنبي من أكثر أحداث حياته إثارة. ففي سنة 354هـ، وبينما كان عائدًا من العراق، اعترض طريقه فاتك الأسدي ورجاله.
وتذكر الرواية المشهورة أن المتنبي أراد الهرب عندما رأى كثرة القوم، لكنه لم يبتعد؛ فقد قال له ابنه ما معناه: أتهرب وأنت القائل:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
فذكّره بكلامه الذي طالما تفاخر به في شعره، وكأنه وضعه أمام الصورة التي صنعها لنفسه طوال حياته.
عندها عاد المتنبي إلى القتال، وقُتل في تلك المواجهة، وقُتل معه ابنه وغلامه.
وهنا تكمن المفارقة؛ كأن المتنبي في آخر لحظاته لم يستطع أن يترك الصورة التي صنعها عن نفسه في شعره. عاش يكتب عن الشجاعة والكبرياء، وحين جاء الاختبار الأخير، عاد ليواجهه.
وربما لهذا بقيت نهايته مرتبطة بشعره إلى اليوم؛ فقد كان المتنبي يقول إن الخيل والسيف والرمح تعرفه، وفي النهاية أصبح ذلك البيت نفسه جزءًا من قصة موته.
فهل كان المتنبي مغرورًا؟ أم كان يعرف قدره؟
ربما كان الاثنين معًا؛ لكنه بالتأكيد كان يعرف كيف يجعل اسمه خالدًا.


يعجبني غروره
من أفضل الشعراء بالنسبه لي